عبد الشافى محمد عبد اللطيف
171
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وموسى عليهم السّلام كان كل منهم مرسلا إلى قومه فقط ، بنص القرآن الكريم « 1 » . وأما كون رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - عامة لكل الجنس البشري ؛ فهذه أيضا حقيقة بنص القرآن الكريم بقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ سبأ : 28 ] ، قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] . أما الإجابة عن السؤال المتقدم ذكره ؛ فإننا نقول : إن ذلك شيء طبيعي ، اقتضته طبيعة التطور البشري ، منذ أن خلق اللّه البشر حتى بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ولتقريب الموضوع إلى الأذهان فإنه لا مانع من أن نشبه البشرية بطفل أخذ ينمو ويكبر ، ويمر بالمراحل التي لا بد أن يمر بها ، حتى ينضج ويكتمل نموه الجسدي والعقلي ، وإذا جاز لنا ذلك ، فلا مانع أيضا من أن نشبه الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بأطباء « 2 » مع احتفاظنا للأنبياء جميعا - عليهم الصلاة والسلام - بمقامهم السامي أخذ كل واحد منهم يصف للبشرية - التي شبهناها بالطفل في نموه - الغذاء الذي يناسب كل مرحلة من مراحل نموها ، حتى جاء خاتم الأنبياء محمد - عليه الصلاة والسلام - وقد نضجت البشرية ، واكتمل عقلها وأصبحت مستعدة لتقبل رسالة عالمية ، تصلح مبادئها وتشريعاتها أساسا لحياة فاضلة لكل البشرية في الدنيا ، وتضمن سعادتها في الآخرة ، دون تفرقة بين جنس وجنس ، أو بين أمة وأمة ، بل مساواة مطلقة ، في الحقوق والواجبات ، ولا تفاضل بين إنسان وآخر إلا على أساس التقوى والعمل الصالح ، يقول اللّه تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . . . [ الحجرات : 13 ] . وتؤكد أعمال الرسول وأقواله معنى المساواة التامة بين الناس جميعا ، ولم يكتف الإسلام في هذه الناحية - كشأنه دائما في كل تشريعاته ومبادئه - بوضع القواعد النظرية فقط ، وإنما طبق هذه المبادئ تطبيقا عمليّا في واقع الحياة بصورة مثالية ، لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم ، فلقد كان هناك رجال حول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانوا موضع حبه وتكريمه ، مع أنهم لم يكونوا عربا ، بل كان بعضهم في الأصل رقيقا ، فسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، كانت منزلتهم عند الرسول لا تقل عن منزلة كبار الصحابة من أشراف
--> ( 1 ) راجع الآيات الآتية : سورة نوح الآية ( 1 ) ، سورة الأنبياء الآية ( 52 ) ، سورة الأعراف الآيتان ( 65 ، 73 ) ، سورة الصف الآيتان ( 5 ، 6 ) . ( 2 ) د . محمد عبد اللّه دراز - الدين ( ص 186 ) .